الغزالي

8

إحياء علوم الدين

فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى ، لأنه تفرغ لله عز وجل . وإعانة للمعطي على نيل الثواب . ومن نظر إلى مجاري سنة الله تعالى ، علم أن الرزق ليس على قدر الأسباب . ولذلك سأل بعض الأكاسرة حكيما عن الأحمق المرزوق ، والعاقل المحروم ، فقال : أراد الصانع أن يدل على نفسه . إذ لو رزق كل عاقل ، وحرم كل أحمق ، لظن أن العقل رزق صاحبه . فلما رأوا خلافه علموا أن الرازق غيرهم . ولا ثقة بالأسباب الظاهرة لهم . قال الشاعر ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجا هلكن إذا من جهلهن البهائم بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال اعلم أن مثال الخلق مع الله تعالى مثل طائفة من السؤّال وقفوا في ميدان على باب قصر الملك ، وهم محتاجون إلى الطعام . فأخرج إليهم غلمانا كثيرة ومعهم أرغفة من الخبز ، وأمرهم أن يعطوا بعضهم رغيفين رغيفين ، وبعضهم رغيفا رغيفا . ويجتهدوا في أن لا يغفلوا عن واحد منهم وأمر مناديا حتى نادى فيهم : أن اسكنوا ولا تتعلقوا بغلمانى إذا خرجوا إليكم ، بل ينبغي أن يطمئن كل واحد منكم في موضعه ، فإن الغلمان مسخرون وهم مأمورون بأن يوصلوا إليكم طعامكم . فمن تعلق بالغلمان وآذاهم وأخذ رغيفين ، فإذا فتح باب الميدان وخرج أتبعته بغلام يكون موكلا به ، إلى أن أتقدم لعقوبته في ميعاد معلوم عندي ولكن أخفيه . ومن لم يؤذ الغلمان وقنع برغيف واحد أتاه من يد الغلام ، وهو ساكن . فإني أختصه بخلعة سنية في الميعاد المذكور لعقوبة الآخر . ومن ثبت في مكانه ولكنه أخذ رغيفين فلا عقوبة عليه ، ولا خلعة له . ومن أخطأه غلماني فما أوصلوا إليه شيئا ، فبات الليلة جائعا غير متسخط للغلمان ، ولا قائلا ليته أوصل إليّ رغيفا ، فإني غدا أستوزره وأفوّض ملكي إليه . فانقسم السؤّال إلى أربعة أقسام ، قسم غلبت عليهم بطونهم فلم يلتفتوا إلى العقوبة الموعودة ، وقالوا من اليوم إلى غد فرج ، ونحن الآن جائعون ، فبادروا إلى الغلمان فآذوهم وأخذوا الرغيفين . فسبقت العقوبة إليهم في الميعاد المذكور ، فندموا ولم ينفعهم الندم . وقسم تركوا التعلق بالغلمان خوف العقوبة ، ولكن أخذوا رغيفين لغلبة الجوع ، فسلموا من العقوبة ، وما فازوا بالخلعة